أهم الأخبارالعرض في الرئيسةفضاء حر

(قريتي هناك .. وأنا هنا) .. عشرة أعوام من الغياب رغم قرب المسافة

يمنات

محمد المخلافي

حين تعود بي الذاكرة إلى البدايات، أجدها تقودني دائمًا إلى قريتي الصغيرة (كندة) في مخلاف شرعب شمال مدينة تعز. هناك فتحت عيني لأول مرة على هذا العالم، ورأيت الشمس وهي ترسل أشعتها من على قمة جبل عسق لأول مرة، ورأيت القمر ينير ليالي القرية الهادئة لأول مرة، وشممت رائحة المطر حين امتزج بتراب الأرض لأول مرة.

فيها نطقت كلماتي الأولى، وتعلمت القراءة قبل أن أعرف المدرسة في معلامة أحمد سعيد في بيته القديم في قرية عسق المحاذية لقريتي. فيها تعلمت بساطة الحياة، فيها كنت أرى القرية بأكملها كاسرة واحدة، كل البيوت كانت مفتوحة لنا.

على سفوحها لعبت، وفي شعابها رعيت الأغنام، وبين بيوتها القديمة شعرت بالدفء. وفي كل زاوية منها تشكلت أولى ذكرياتي. لكني لم أسمع فيها صوت أمي، فقد رحلت قبل أن أعي الدنيا، وودعت فيها أبي وجدي وجدتي وهم يوارون الثرى إلى مثواهم الأخير في مقبرة القرية، رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته.

غادرت القرية لأول مرة وأنا في الثالثة عشرة من عمري، في الإجازة الصيفية مع عمي إلى صنعاء للعمل معه في النجارة. كان كل شيء جديدا بالنسبة لي: المباني المرتصة والشوارع الممتدة وصخب الناس وتعدد اللهجات، لكني كنت أبحث عن قريتي، أسأل عمي عن اتجاهها. وحين سمعت الأذان، تذكرت صوت ناجي عبده وهو يصدح بصوته الحاد يؤذن في مسجد القرية من غير مكبرات الصوت.

قضيت شهرين أعمل في النجارة بين برد الليل وحرارة شمس الظهيرة. مرت علي تلك الأيام رتيبة كأنها دهر. وعندما أتى موعد العودة إلى القرية، اشتريت ثوب أبيض وجنبية وفنيلة صوف رمادي وشال سماوي مخطط. لم أنم في تلك الليلة من شدة الفرح.

وضعت شنطتي بجواري، وتفقدت الفلوس التي جمعتها من العمل، كانت ألفين وثلاثة مئة ريال. اخذت منها ثلاث مئة ريال للسفر وربطتها بإحكام ووضعتها في جيب الكوت الداخلي.

قرابة السابعة صباحا، غادرنا صنعاء، ووصلنا تعز عند الواحدة ظهرًا. تناولنا الغداء، ثم اتجهنا إلى فرزة شرعب السلام. وركبنا في أول سيارة شاص.

كنت طوال الطريق أبتسم بصمت من الفرح. وعندما اقتربنا من قرية المغرس في الرعينة السفلى، لمحت قمة جبل عسق الشامخ. هناك، على سفحه، تتكي قريتي. في تلك اللحظة، عادت لي روحي.

عندما نزلت من السيارة، وقفت للحظة أحدق في كل الاتجاهات، كأنني أقول: ها أنا قد عدت. لمحني أخي وضاح عند مدخل القرية، صاح بصوت مرتفع: محمد أخي وصل من صنعاء. ثم أسرع نحوي بفرح، وأخذ الشنطة من يدي.

وأنا أمشي باتجاه القرية، شعرت بشيء مختلف في داخلي. لم أعد ذلك الصبي الذي غادرها قبل شهرين. شعرت أنني كبرت قليلا، وأن السفر والعمل قد أضافا سنوات إلى عمري.

في مساء ذلك اليوم، خرجت إلى مكاني المفضل، الأرجح، القريب من بيتنا، المكان الذي ألجأ إليه كلما أردت أن أختلي بنفسي وأفكر بهدوء. جلست هناك أفكر في المبلغ الذي جمعته من عملي في النجارة: ألفي ريال، وأتساءل ماذا أفعل به. خطرت لي فكرة: بما أن منزلنا ضيق، لماذا لا أبني غرفة صغيرة ملتصقة بالبيت، تكون لي وحدي، مساحة أستطيع أن أعيش فيها حياتي الخاصة؟

في صباح اليوم التالي، أخبرت أصدقائي بالفكرة، شجعوني بحماس. ثم اتجهنا مباشرة إلى منقاف أحمد قائد المروعي في الشعب، واشترينا الأحجار، ثم نقلناها بسيارة عبد الحق القاضي وبدأنا ببناء الغرفة، التي استغرقت يومًا واحدا.

وعند المغرب، ذهبنا إلى الوادي وقطعنا أخشاب من أشجار السدر لتسقيف الغرفة. وفي اليوم التالي، أكملنا العمل وأسقنا الغرفة، وكان الباب جاهزا من بقايا بيت جدتي سعيدة فرحان، رحمها الله.

استغرقت عملية بناء الغرفة ثلاثة أيام، وعندما اكتملت، شعرت بسعادة كبيرة. صار لي مكان خاص بي، أشعر فيه بالاستقلالية، وكأن لي حياة صغيرة بين جدران هذه الغرفة أملك مفاتيحها وحدي.

مرت السنوات بسرعة، وبعد أن أنهيت مرحلة الثانوية غادرت القرية للمرة الثانية لأداء خدمة الدفاع الوطني، وبعدها درست وعملت في عدن. ومع كل هذه الانشغالات لم أنسى قريتي لحظة واحدة. كنت أعود إليها مرتين في السنة أثناء إجازة العيد.

أتذكر في أحد الأيام، عندما كنت أعمل في إدارة أمن عدن، استلمت الراشن (المعيشة) سبعة كراتين فول وفاصوليا، وعلبتين من الزيت، بالإضافة إلى كيس من السكر وكيس من الرز. حملتها معي إلى القرية، وشعرت حينها بالفخر والمسؤولية.

ربما لم تكن هذه المعيشة كبيرة في نظر البعض، لكنها بالنسبة لي كانت مهمة جدا. شعرت حينها أنني بدأت أتحمل مسؤولية نفسي، وأن لدي ما أقدمه لعائلتي. قسمت بعضا منها ووزعته خالتي على الجيران.

بعد أن أنهيت دراستي الجامعية، انتقلت إلى صنعاء للعمل، وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياتي. لم تمضِ سنة حتى تزوجت، ومع انشغالات العمل ومتطلبات الحياة اليومية، لم تعد زياراتي إلى القرية كما كانت من قبل، فأصبحت أزورها مرة واحدة فقط في إجازة العيد.

حصلت على وظيفة حكومية في وزارة التربية والتعليم كمدرس لمادة اللغة الإنجليزية، وبجانب ذلك كنت أعمل في مركز تعليمي خاص. تحسنت ظروفي المادية بفضل الأجور بالدولار، لكن كل ذلك لم ينسني قريتي. كنت أحرص دائمًا على السفر خلال أيام العيد عبر طيران السعيدة لأعود إليها، أستنشق هواءها النقي وألتقي بأهلي وأصدقائي، وبقيت على هذا الحال حتى عام 2014.

وبعد اندلاع الحرب، عدنا إلى القرية عام 2016، وكانت تلك آخر زيارة لي. قضيت هناك ثلاثة أيام، بينما بقيت العائلة لأكثر من شهر.

تدهور الوضع تدريجيا، فأُغلقت مداخل مدينة تعز وقطعت الرواتب الحكومية، وحتى عملي في القطاع الخاص استبدل فيه الدولار بالريال اليمني، ليصبح أقل من نصف قيمته.

منذ مطلع 2023، ازداد الوضع سوءًا يومًا بعد يوم، وكان أثره واضحا على وجوه الناس. لم تقتصر المعاناة على الفقر أو نقص الاحتياجات، بل امتدت إلى كل تفاصيل حياتنا وأثرت على مشاعرنا. بدأ التواصل بين الأهل والأصدقاء يقل، وأصبح معظم الناس منشغلين بالبحث عن لقمة العيش.

مرت عليّ عشرة أعوام وأنا بعيد عن قريتي، عن أهلي وأصدقائي. ومع مرور الوقت، بدأت بعض الوجوه تتلاشى من ذاكرتي، كأن الغياب الطويل يمحو ببطء ملامح الأشخاص الذين نحبهم.

كبر أولاد إخواني وخواتي، وظهر آخرون لم أعرفهم، ورحل كثير من أهل القرية، بما فيهم الجدة الطيبة يمن راجح، المرأة الكفيفة التي كنت ألقاها دائمًا عند زيارتي للقرية، رحمها الله. كانت تجلس عند باب منزلها القديم في مدخل القرية، وبمجرد أن تسمع صوتي، تناديني باسمي.

كل هذا وأنا مغترب داخل وطني. كل ما أحتاجه للوصول إلى قريتي هو حوالي ست ساعات، لكن الحرب جعلت الوصول إليها صعبًا، ومع غياب الرواتب وانشغالنا بتوفير لقمة العيش، أصبح الأمر شبه مستحيل.

لقد صدق الشاعر اليمني عبدالله البردوني، رحمه الله، حينما تنبأ بما نعيشه اليوم:

يَمانيونَ في المَنفى… ومَنفيّونَ في اليَمَنِ

جَنوبِيّونَ في صَنْعاءَ… شَماليّونَ في عَدَنِ

وأضاف أيضًا تصويرًا للغربة والضياع:

يمانيونَ في شَتّى المَنافي حائرونَ،

كما لو أنّهم ضلّوا الطريقَ إلى المَرافِئِ.

ما جعلني أكتب هذا المقال هو اتصال خالتي من القرية، كبيرة في السن وتعاني من أمراض مزمنة. كانت تبكي مشتاقة لرؤيتي. تنهدت ودعوت الله أن يشفيها ويطيل عمرها، وأن أتمكن من زيارتها.

هذا المقال ليس عني وحدي، بل يعبر عن شعور معظم اليمنيين الذين يعيشون الغربة داخل وطنهم. ومع ذلك، تبقى القرية، ببيوتها ووجوه أهلها الطيبين، حاضرة في القلب، تسكننا حتى عندما تعجز أقدامنا عن العودة إليها.

زر الذهاب إلى الأعلى